المقريزي
102
المقفى الكبير
ميسرة المسلمين ثابتة ، وأعلامها تخفق ، فبهت وتحيّر . وما برح مكانه حتى تلاحق به أصحابه وأتاه من كان منهم خلف المنهزمين من عساكر المسلمين ، وقد أسروا جماعة ، منهم الأمير عزّ الدين أيدمر نقيب المماليك . فأحضره قطلوشاه وسأله عن أمره فأخبره أنّه من أمراء مصر الذين قدموا مع السلطان - وكان يظنّ أنّ السلطان بمصر وأنّه لم يحضر إلى الشام [ 92 ب ] ، وأنّه إنّما يقاتل عساكر الشام - فسقط عند ذلك في يده وشاور أصحابه . وبينا هم في إدارة الرأي ، وإذا بكوسات السلطان والأمراء وبوقاتهم حرّكت يدا واحدة فأرجفت على الآذان بحسّها الأرض وأزعجت القلوب ، فلم يثبت بولاي - أحد مقدّمي التتر - وخرج من تجاه قطلوشاه في عشرين ألفا ، ونزل عن الجبل بعد غروب الشمس ومرّ هاربا . وبات السلطان وسائر عساكر المسلمين على ظهور الخيل ، وطبولهم تضرب فتلاحق بهم من كان قد انهزم ، وجاءوا شيئا بعد شيء على حسّ الطبول ، واستداروا حول الجبل الذي فوقه التتار ، وصار بيبرس وسلّار وقبجق وجميع الأكابر من الأمراء في طول الليل دائرين على العساكر يوصونهم ويرتّبونهم ويبالغون في التأكيد عليهم في التيقّظ وأخذ الأهبة . فما طلع الفجر حتى اجتمع شمل العساكر وأخذ كلّ أهبته ، وقام الجفل من الناس مع الأثقال على بعد من المصافّ ، فرأى التتار ما أذهلهم . وأخذ قطلوشاه يرتّب أصحابه ، ونزل بهم عن الجبل مشاة وركبانا ، وحطّموا « 1 » على العسكر . فانتدب لهم المماليك السلطانيّة يقاتلون قطلوشاه وجوبان « 2 » ، واشتغل الأمراء بقتال من في قبالتهم يتناوبون القتال أميرا بعد أمير ، وأبلى المماليك بلاء عظيما ، وقتل تحتهم خيول كثيرة بحيث كان يقتل تحت الواحد منهم الفرسان والثلاثة . وتمادى القتال منذ طلعت الشمس إلى الظّهر من يوم الأحد . فصعد قطلوشاه إلى الجبل بعد ما قتل منه ثمانون فارسا ، وفشت الجراحات في أصحابه ، واشتدّ عطشهم . وبلغ ذلك الأمراء ، وأنّهم على عزم من معاودة القتال في سحر يوم الاثنين يدا واحدة ، فبات الفريقان ليلة الاثنين كما باتا من قبل . وركب التتار في الساعة الرابعة من نهار الاثنين ونزلوا من الجبل فلم يتعرّض أحد لقتالهم وتركوهم حتى اقتحموا النهر من شدّة العطش ، فركبتهم العساكر حينئذ ركوبا . وأنزل اللّه بهم نصره ، فحصدوا رؤوس التتار عن أبدانهم ، وتتّبعوا أثر من فرّ ، وهم يقتلون ويأسرون إلى العصر . ثمّ عادوا إلى السلطان فكتب بالبشارة على أجنحة الحمام إلى غزّة ، وأن يمنع من قدمها من المنهزمين أن [ 93 أ ] يسيروا إلى القاهرة ، وأن يفحص عمّن نهب الخزائن السلطانيّة ويحاط به . وندب الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح للمسير بالبشارة إلى مصر ، فسار لوقته . وكتب أيضا إلى دمشق وإلى سائر القلاع بالبشارة . وبات السلطان ليلة الثلاثاء بمنزلته ، فأتاه أهل دمشق للهناء ، وسار بهم إلى دمشق ، وبين يديه وعن يمينه وشماله ومن خلفه عالم من الرجال والنساء والصبيان لا يحصيهم عدد ، وهم يضجّون بالدعاء والهناء ، وعبراتهم تنحدر من الفرح ، والبشائر تدقّ ، فكان يوما يجلّ عن الوصف ، حتّى نزل بالقصر الأبلق خارج المدينة ، فتأنّق الناس في زينة المدينة . وتمادى الأمراء في اتّباع التتار إلى القريتين
--> ( 1 ) هكذا ، ولم نفهم حطّموا هنا ، ومعناها العادي هو : أجرى الخيل بقوّة نحو العدوّ ( دوزي ) . ( 2 ) جلبان في المخطوط .